ورقة عمل أعدها المدون والصحفي المصري وائل عباس صاحب مدونة الوعي المصري
لن أزعجكم بمقدمة مملة حول تعريف وتاريخ المدونات وسأحاول قدر الإمكان الدخول إلى صلب الموضوع وعدم الإطالة لأنني أؤمن أن الأهم مما سأقوله هو الأسئلة والحوار اللاحق والذي هو أحد مميزات التدوين الذي وفر وسيلة للتفاعل بين القارئ والناشر.
تعتبر تجربة المدونات في مصر واحدة من أهم تجارب التدوين في العالم وكما نعلم فإن التدوين ظهر كوسيلة لكتابة اليوميات الشخصية على الإنترنت لكن التكنولوجيا التي وفرتها المدونات وجعلت من السهل على أي شخص إنشاء موقع على الإنترنت بدون الحاجة لأي خلفية في البرمجة أو الجرافيك شجعت الكثيرين على إنشاء مواقع لهم ومنهم نشطاء المجتمع المدني.
تميزت تجربة التدوين المصرية بمدونات النشطاء السياسيين والمدونات الخبرية التي نافست الإعلام التقليدي من صحف وفضائيات في ما قدمته من أخبار وتغطيات وما ظفرت به من سبق صحفي جعلها تصبح مصدرا لتلك الوسائل وحتى أحيانا لوكالات الأنباء العالمية.
الساحة الإعلامية بمصر مثلها مثل كل دول المنطقة تعاني الرقابة وهيمنة الدولة ففي مصر من المحظور مثلا إنشاء أي محطات بث تلفزيونية أو إذاعية لأن الدولة تزعم أنها تمتلك موجات الأثير ومن يخالف ذلك يكون مرتكبا لجريمة في حق ما يسمى أمن الدولة.
وفي وجود نقابة صحفيين لا دور لها يكون الصحفي منه للجريدة أو للأجهزة الأمنية مباشرة دون أدنى حماية خصوصا وأن النقابة تضع لعضويتها شروطا أمنية عجيبة مجحفة بحقوق الصحفيين مما يجعل كثيرين منهم يعملون في أسوأ الظروف وبدون عضوية في نقابة إلا من رضي عنهم النظام.
فكانت النتيجة إعلام خاضع لمقص الرقيب ومحماة المحرر على الرغم من وجود صحافة معارضة وحزبية ومستقلة، إلا أن الكلمة العليا هي للأمن حيث تبدأ التحرشات بتعطيل الجريدة في المطبعة عن موعد التوزيع إلى مصادرة كامل أعداد الجريدة إلى إغلاق الجريدة تماما وهو الحال أيضا مع الفضائيات العاملة في مصر من مصادرة لشرائط الكاميرات في موقع الحدث أو حتى مهاجمة مقر المحطة والاستيلاء على الشرائط منه عنوة ومؤخرا توصيات وزراء الإعلام العرب.
كل تلك العوامل تجبر وسائل الإعلام مهما بلغت من رقي مهني على ممارسة الرقابة الذاتية تجنبا للخسائر وهو بلا شك أمر يؤثر على تناول القضايا التي تهم الناس حقيقة.
إلى جانب عوامل أخرى تحد من حرية الصحفي كسياسة الإعلانات بالجريدة أو مصدر تمويلها أو الأيديولوجية السياسية التي تروج لها الجريدة الخ.
ومن هنا ظهرت الحاجة لإعلام بديل في مصر يدعم المجتمع المدني ويعمل على توصيل الحقائق إلى الجمهور على علاتها بدون رقابة أو تجميل أو تحميلها بأيديولوجيات خصوصا مع ظهور حراك سياسي يطالب بالتعددية الحقيقية والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة وتحسين أحوال المواطنين والحفاظ على حقوق الإنسان.
وأخذ بعض المدونين على عاتقهم تنفيذ تلك المهمة خصوصا من كان منهم من خلفية صحفية أو مهتم بالنشر الإلكتروني منتهزين فرصة وجود هامش كان وربما لا يزال غير محدود للحريات على الإنترنت لا يخضع لبطش النظام ويوفر الحماية للناشر بإخفاء شخصيته.
في أواخر عام 2004 بدأ نشاط لحركات التغيير في الشارع المصري مع قرب الاستفتاء على رئاسة الجمهورية ومنها حركة كفاية والحملة الشعبية وحزب الغد والاشتراكيين الثوريين وآخرين ثم لحق بهم الإخوان المسلمين ولم تكن فعالياتهم في الشارع تحظى بالتغطية كما ينبغي لأن فعالياتهم كانت تشمل على هتافات بسقوط رئيس الجمهورية وإعلان العداء له والرغبة في رحيله.
شعر المدونون بأن حراك مثل هذا وتحدي جريء مثل ما يحدث ينبغي أن يحظى بتغطية لائقة توصل الصورة للشعب المصري كما هي بدون رتوش وتعلمه بأن هناك من يعترض ويطالب بحقوقه وهنا ربما يذوب الخط الفاصل بين الإعلامي والناشط إلا أن المدونون حرصوا على الحياد والموضوعية فكانت التغطيات تبتعد عن الخطاب الحماسي أو المحرض وتلتزم بنشر صور وأحيانا لقطات فيديو للحدث وترك الفرصة للقارئ أو المشاهد للتفاعل وهي أيضا خاصية موجودة بالمدونات وغير موجودة بالإعلام التقليدي حيث تسمح المدونات بالتعليق والمناقشة بين الناشر والمتصفح.
كان المدونون دائما في وسط الحدث وعلى صلات قوية بكل التيارات السياسية ويعرفون عن الفعاليات قبل حتى أن يعرف عنها الصحفيون وأحيانا كانوا هم فقط محل الثقة للقيام بتغطيات حصرية مما أعطاهم بعدا جديدا متميزا وعلى عكس غيرهم من الصحفيين المتبعين للقواعد الحرفية للمهنة من الابتعاد عن المخاطر وعدم التصادم مع الأمن كان المدونون في الصفوف الأولى مما مكنهم من التقاط كثير من الصور الحصرية للأحداث لكن أيضا عرضهم للمخاطر.
وبسبب تميز وحصرية المادة التي ينتجها المدونون عمد كثير من الصحف أولا للسرقة من المدونين بدون ذكر المصدر ثم تحول الأمر إلى تعاون بين المدونين والصحافة ربما بشكل لا يخلو من الاستغلال أحيانا لكن ظل المدونون هم أصحاب السبق.
أدى تميز وجرأة المدونين المصريين إلى نشوء حالة من المصداقية والثقة بينهم وبين قرائهم فخصهم القراء بالكثير من الأخبار والمواد الحصرية التي لم يرغبوا في تقديمها للإعلام التقليدي وفي بعض الأحيان يكونوا قد حاولوا تقديمها لكن لم يجدوا آذان صاغية ومن هنا نشأ نوع جديد من الصحافة يقوم عليه المواطن العادي ويحرره المدونون ومن ذلك على سبيل المثال فيديوهات التعذيب في أقسام الشرطة وهو موضوع لم تكن جريدة أو فضائية في مصر تجرؤ على فتحه حتى فعلها المدونون.
وأصبح الأمر يسير هكذا فالمدونون هم في وجه المدفع وهم أول من يتحمل تبعات الخطر وبمجرد أن يتأكد الإعلام التقليدي من خلو الطريق من المصاعب يتبنى القضايا التي أثارها المدونون وإن كنت لا أنكر دور الصحافة المطبوعة في كشف هوية بعض ضحايا التعذيب مما أدى إلى وصول الأمر إلى القضاء وحتى صدور أحكام بحق ضباط شرطة يمارسون التعذيب مثلما حدث منذ بضعة أسابيع في قضية عماد الكبير الشهيرة وهو يعد من أهم انتصارات المدونين حيث حكم على الضابط إسلام نبيه وأمين شرطة بالسجن ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ.
ومن الأسباب الهامة لنجاح وتأثير التدوين في مصر هو استقلالية المدونين بسبب استخدامهم للخدمات المجانية المتاحة على الانترنت سواء من جوجل او يوتيوب او ياهو لاستضافة المدونات والصور والفيديو والملفات الأخرى فهم لا يحتاجون إلى التمويل او يعتمدون على الإعلانات ولا ينتظرون عائد مادي من تدوينهم وان كان لاستخدام الخدمات المجانية أيضا مساوئ أتحدث عنها باستفاضة إدا أردتم في أسئلتكم اللاحقة.
كما اعتمد المدونون على التشبيك وعدم التنظيم حيت أن التنظيم في مصر يضعهم تحت طائلة القانون وهو مما أدى لنجاحهم في تنظيم كثير من الفعاليات والحملات الناجحة وحال دون نجاح الجهات الأمنية في توجيه ضربات موجعة إليهم ينجح فيها الأمن عادة مع التنظيمات والحركات التقليدية ذات الهيراركية والهيكلة بضربها في نقاط ضعفها.
وأدت ظاهرة التدوين بالتالي إلى رفع سقف الحريات في الصحافة المطبوعة والإعلام التقليدي عامة بطرقهم للمحظور من المواضيع وكشفهم للمشين من الأحداث كأحداث التحرش الجنسي بوسط القاهرة في عيد الفطر لعام 2006 وتصديهم لعرض مواد ذات محتوى لا تجرؤ على عرضه أي وسيلة أخرى مثل فيديو الاعتداء الجنسي على عماد الكبير أو فيديو تمزيق ملابس فتاة كانت تحضر ماتش لكرة القدم كما أنهم ولأول مرة نشروا رسوم كاريكاتير تسخر من رئيس الدولة وعائلته وأفراد الحكومة وهي السنة الغير مسبوقة والتي اتبعتها بعدهم صحف المعارضة والصحف المستقلة.
لكن كل ما سبق لم يكن ليمر مرور الكرام على الأجهزة الأمنية التي أوقعها المدونون في حرج أكثر من مرة فتارة بفضح قمع المظاهرات السلمية وتارة التستر على تزوير الانتخابات وتارة عدم توفير الأمن للمصريات في واحد من أهم العطلات الرسمية برغم البروباجندا المعتادة في نفس الموعد من كل عام ومؤخرا كشف النقاب عن ما يحدث في أقسام الشرطة ومنهج الشرطة في التعذيب المنظم للمواطنين حتى وإن كانوا غير متهمين.
هذه الشوكة في رقبة النظام كان يجب التصرف حيالها وبدأ الأمر بكبش فداء وهو كريم عامر رغم محدودية قراءه ومحدودية تأثيره إلا أن النظام آثر إلا أن يجعله عبرة للباقين فحكم عليه بالسجن أربع سنوات منهم سنة بتهمة سب رئيس الجمهورية وثلاثة بتهمة إهانة الإسلام والتحرش بعدد آخر من المدونين المغمورين لإجبارهم على إغلاق مدوناتهم او حذف بوستات محددة منها واستخدام أساليب تخريب المواقع أحيانا وإطلاق الشائعات على بعض المدونين من قبيل التحول إلى المسيحية أو الشذوذ الجنسي أو وجود سجل إجرامي وإجبارهم على عدم المشاركة أو تنظيم أي فعاليات بالقبض عليهم واعتقالهم لمدد قد تصل إلى الشهرين مثلما حدث في ربيع عام 2006 فيما يسمى بأحداث اعتصام نادي القضاة ومنهم علاء سيف ومالك مصطفى ومحمد الشرقاوي وغيرهم.
وقد أفلت أنا شخصيا بأعجوبة من القبض علي في تلك الأحداث غانما لقطات الفيديو الوحيدة لأحداث القبض على المشاركين في الاعتصام بعد مصادرة أمن الدولة لأشرطة الفضائيات ونشرت إياها على الإنترنت مما سبب حرجا كبيرا للأجهزة الأمنية خصوصا لقطة لتمزيق علم مصر على يد رجال الأمن لكني علمت من المحامين أن هناك أمرا بالقبض علي وأنه موجهة إلي عدد من التهم العجيبة التي من المفترض أنني قمت بها بواسطة الكاميرا ألا وهي التعدي على رجال الشرطة والتعدي على موظفين عموميين وتخريب ممتلكات عامة وتعطيل المرور الخ ولم أخرج من مكمني إلا بعد أن ثبت أن أوامر القبض المصدرة مسبقا لا تنطبق علي لأني لم اضبط متلبسا.
وتكرر الأمر بعد ذلك لأفاجأ بأن في كل مظاهرة كبيرة يوجد أمر بالقبض علي وأن في محضر تحريات أمن الدولة مكتوب أسمي كمحرض وهو أمر مضحك لأن كثير من تلك المظاهرات لم أحضرها وبعضها كنت خارج البلاد وقت حدوثها.
والسؤال هنا هل كانت تجربة التدوين المصرية إيجابية وهل يجب التفاؤل بشأنها وهل أثرت أي تأثيرات جذرية أو جزئية؟
ربما لو طرح هذا السؤال عام 2005 أو 2006 في أجواء التغيير التي غطت مصر لكانت الإجابة مفرطة في التفاؤل معلقة الكثير من الآمال المبالغ فيها على ظاهرة التدوين خصوصا بعد إنجازات المدونين الملموسة على الأرض وانتشاؤهم بما ظنوا أنهم كسبوه من ارض جديدة في المعركة مع النظام وأنا كنت أول المنتشين لكن بعد الانقضاض الأمني الأخير على الحريات وعلى الصحافة والصحفيين والقضايا المرفوعة من أناس موالين للنظام يطالبون بإغلاق المدونات وانقشاع الغيوم عن وجه قبيح للحقيقة لا يوجد عند أي من المدونين أي تهيؤات غير واقعية بخصوص المستقبل القريب.
لكن الصورة مازالت ليست بالقتامة المطبقة فيمكننا أن نعزي للتدوين الفضل في رفع سقف حرية الصحافة وحرية التعبير والحريات عموما وهو ما ظهر حتى في الإنتاج السينمائي والتلفزيوني بأعمال مستوحاة من قضايا فجرها المدونون كما دعم التدوين حركة المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان فمثلا قالت الدكتورة عايدة سيف الدولة من مركز النديم لمعالجة وتأهيل ضحايا التعذيب أن ما فعله المدونون في قضية التعذيب في أيام قليلة لم تستطع أن تفعله منظمات حقوق الإنسان في عشر سنوات.
وأنا شخصيا يكفيني أن المواطن المصري في الشارع أصبح يعلم أنه ليس من حق الشرطي ضربه على قفاه وان الكثير من ضحايا التعذيب الآن يتكلمون ويشتكون ويذهبون للإعلام ويطالبون بحقهم المهضوم وهو أمر جديد على مصر بعد أن كنا ظننا أن الأمن قد نجح في بسط ثقافة الخوف من بطشه فيلعق المصريون جراحهم في ألم وهم صامتون.
وائل عباس











