ورقة عمل أعدها علاء عبد الفتاح و منال حسن – مدونة منال وعلاء
فبراير 2008
محاولة لبناء إطار نظري لفهم ما تقدمه تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات من فرص و أدوات للتغيير الاجتماعي أو السياسي، الورقية مبنية أساسا على خبرتنا الشخصية من خلال نشاطنا في مجتمع البرمجيات الحرة و عملنا بمجال التنمية بتكنولوجيا المعلومات و أخيرا دورنا كمدونين متفاعلين مع حركات المطالبة بتغيير ديمقراطي وحركة حقوق الإنسان في السنوات الماضية.
المحتويات
• الإنترنت و أخواتها
• شبكات المحمول
• التلفزيون
• الشبكات اللاسلكية المحلية
• استدراك
• فرص للنشطاء
• الدعاية و الحشد
• النشر و التوثيق
• المشاركة و التنظيم
• التواصل و التشبيك
• البحث و التقصي
• تحالفات جديدة
• الالتقاء حول فكرة
• دور أكبر للشباب
• مشاركة أوسع من الطبيعيين
• إلغاء الحواجز بين السياسة و الثقافة
• نظرة محلية
• تعاون دولي
• علاقة أعمق بالصحافة
• ختام
• عن كاتبي الورقة
www.manalaa.net
الإنترنت و أخواتها
لماذا أصلا نتحدث عن الإنترنت؟ الموضوع في النهاية مرتبط بتقنية و أدوات، هل اجتمع النشطاء من قبل للتحدث عن السيارات و حقوق الإنسان؟! من السهل تصور اجتماع للحديث عن المحاكم و حقوق الإنسان أو الصحافة و حقوق النسيان لكن التكنولوجيا؟! هناك افتراض إذن أن للإنترنت خصوصية ما تجعلها جديرة بالمناقشة ليس كتقنية و إنما كأداة و ظاهرة اجتماعية و سياسية.
في المعتاد عند محاولة شرح أهمية الإنترنت لنشطاء حقوق الإنسان يتم التركيز على الطبيعية الدولية للإنترنت و سرعة إرسال البريد الإلكتروني، و ربما يضيف المتحدث بعض التفاصيل عن إمكانية الحصول على نصوص القوانين و المعاهدات أو غيره من مصادر المعلومات التقليدية بتكلفة قليلة و جهد بسيط.
في نظرنا ما يميز تلك الشبكة ليس إمكانياتها و إنما طبيعة تنظيمها، فالإنترنت شبكة لا مركزية غير خاضعة لسلطة أي مؤسسة، ويكاد يتساوى فيها كل المتصلين بالشبكة. الإنترنت صممت كفضاء حر يمكن للمتصل بها أن يضيف لها مواقع جديدة بل و تطبيقات جديدة )لذا تجد قائمة التطبيقات و الخدمات الدارج استخدامها دائمة التغيير(.
تعددت التقارير المفزعة عن الرقابة على الإنترنت و قمع حرية التعبير على الشبكة حتى يتصور المتابع أن الإنترنت أصبح ساحة لمعركة ضارية تتقهقر فيها قوى التنوير أمام تحالف دولي شيطاني من الحكومات والشركات و المؤسسات الدينية، هذه الصورة )التي نشارك جميعا كنشطاء في رسمها( و إن كانت مبنية على وقائع حقيقية إلا أن محصلتها منافية للواقع، إذ لا تزال شبكة الإنترنت فضاء حرا بشكل مختلف جذريا عن أي فضاء آخر في وعينا المعاصر و أبسط دليل على ذلك هو تحول الشبكة إلى وسيلة رئيسية لتبادل المنتجات الثقافية و الترفيهية بشكل غير قانوني، فرغم إجماع كل الأجهزة الأمنية و المحاكم في العالم و رغم تهديد مصالح شركات كبرى لم تهتز كفاءة أو شعبية شبكات تبادل الملفات مما يدل على صعوبة بل و ربما استحالة حكم فضاء الإنترنت.
لكن الإنترنت ليست الشبكة الوحيدة التي قطعت أشواط في التخلي عن المركزية و تمكين مستخدميها من المشاركة في تشكيلها.
شبكات المحمول
شبكات الهاتف عموما مركزية جدا تحت سيطرة الدولة و غير خاضعة للتعديل من قبل مستخدميها نظرا لتعقيد البنية التحتية و طبيعة تصميم التقنية. لكن يبدو أن تقنية المحمول في طريقها للتحول إلى شبكة أقرب إلى الإنترنت، فتقنية البلوتوث تبدو لأول وهلة كتقنية محدودة للتواصل في مساحة صغيرة جدا )غرفة واحدة( لكنها في نفس الوقت غير خاضعة بالمرة لأي رقابة مركزية و يستحيل حتى محاولة التحكم بها. يمكن نظريا للسلطات أن تحجب مواقع استضافة تسجل التعذيب في أقسام الشرطة، لكنها ستقف عاجزة تماما عن التحكم في قدرة المواطنين على تبادل نفس التسجيلات عبر هواتفهم المحمولة.
نفس الشيء بالنسبة لكاميرات المحمول، تقنية تبدو لأول وهلة تافهة، فالصور منخفضة الجودة و سعة التخزين محدودة و في البداية كان يصعب تصور أي استخدام ذا تأثير اجتماعيي لها، لكن تلك التقنية التافهة تفرض على السلطات أمر واقع و حقائق جديدة على الأرض. فرغم أن السينمائيين و الصحافيين مجبرين على استخراج تراخيص أمنية للتصوير في الأماكن العامة، إلا أنه لا يفوت يوم إلا و يظهر تسجيل لطرفة أو فضيحة أو حادثة أو خبر في الشوارع بل و أقسام الشرطة و يتم تداول هذه التسجيلات سريعا عبر البلوتوث و الإنترنت.
أخيرا تمثل الرسائل القصيرة فرصة أخرى فرغم اعتمادها على نقطة اتصال مركزية، لكن إمكانية الحصول على خطوط جديدة بسهولة و ظهور برمجيات للبث و الاستقبال تتيح للمواطنين فرصة لتحويلها إلى شبكة حرة.
استخدم النشطاء في غانا أجهزة حاسب متصلة بتليفون لتجميع و إعادة بث تقارير لحظية قصيرة أثناء مراقبة الانتخابات البرلمانية . و مؤخرا انتشر استخدام خدمية تويتر من قبل النشطاء في مصر لنشر الأخبار بسرعة و تنسيق التعامل مع الأمن في المظاهرات. و في المستقبل قد يستفيد النشطاء من إمكانيات تحويل الرصيد كآلية سهلة و آمنة لجمع التبرعات مثلا.
التلفزيون
لا أظننا بحاجة للكلام عن تأثير الفضائيات فالأمر قتل بحثا، التلفزيون بفضائياته تقنية مغرقة في المركزية و لا تشكل فضاء حرا بالمعنى المشروح أعلاه )حتى في أشد الدول انحيازا لحرية التعبير(.
فرغم أنه يمكن تصور دور لقناة مثل الجزيرة في أحداث تغيير اجتماعي أو سياسي إلا أن هذا الدور ليس خاضعا للتأثير المباشر للنشطاء أو لعموم المواطنين.
ما يهمنا في التلفزيون ليس شبكاته النظامية و إنما شبكاته الغير قانونية، أو ما يسمى بالوصلة. أول تأثير واضح للوصلة هو تخفيف القيود الاقتصادية مما يوفر نظريا على الأقل فرصة للفضائيات الكثيرة حرية من القنوات الحكومية لتخطي الحواجز الطبقية.
لكن أهم خاصية في الوصلة في رأينا هي أنها خاضعة للتشكيل و التطوير من قبل مشغليها. انتشر مؤخرا)و خصوصا في الأرياف( نظام للوصلة يعتمد على إعادة البث التلفزيوني، مما يعني وجود محطة تلفزيونية غاية في المحلية )على نطاق عزبة واحدة على الأكثر( و القائمين على تلك المحطة المحلية يمكنهم - إن أرادوا - بث محتوى لا علاقة له بالفضائيات )تستخدم فعلا في إعادة بث مباريات الكرة في مواعيد لاحقة(.
بالفعل استخدمت الشبكات التلفزيونية المحلية في بث دعاية انتخابية أثناء انتخابات مجلس الشورى الأخيرة في مصر.
الشبكات اللاسلكية المحلية
تلعب الوصلة أيضا دورا أساسيا في نشر الإنترنت فائق السرعة على قطاع أوسع من الجمهور، وتعتمد الوصلة في ما يخص شبكات الحاسب على إنشاء شبكات محلية و المشاركة في اشتراك انترنت واحد، ومؤخرا انتشر استخدام شبكات الحاسب اللاسلكية و خصوصا في الأرياف. قدرة مشغلي الوصلة في التعديل و التشكيل و اختراع أنماط جديدة في الاستخدام فيما يخص شبكات الحاسب تفوق قدرة مشغلي وصلات التلفزيون، و بسبب الإنترنت يمكن ربط الشبكات المحلية المتعددة ببعضها البعض، و المهم أنه يتساوى مستخدمو الوصلة مع مشغليها في قدرتهم على تطويع الشبكة.
الشبكات اللاسلكية دورها في الأساس الوصول للانترنت لكن ما يجعلها جديرة بالاهتمام في ذاتها هو تشابهها مع البلوتوث و وصلة التلفزيون. فرغم أن الشبكية تبنى لتوزيع اشتراك الإنترنت إلا أنها تحتفظ بإمكانيات الشبكات المحلية، و إذا نجحت الدولة في حجب موقع أو منتج ثقافي ما فيكفي أن يحصل فرد واحد فقط من أعضاء الشبكة المحلية عليه حتى يتاح لباقي الشبكة، حيث أن البنية التحتية للشبكة المحلية لا تعتمد على الدولة بالمرة و يصعب التحكم فيما يحدث داخل تلك الشبكات المحلية.
لا يحضرنا أي أمثلة على استخدام الشبكات اللاسلكية في محاولات للتغيير الاجتماعي أو السياسي ولكننا نذكرها كفرصة لتخطي أي رقابة قد تفرض لاحقا على الإنترنت.
استدراك
رغم اقتناعنا بضرورة النظر إلى أخوات الإنترنت عندما نبحث عن أدوات و فرص و تقنيات جديدة للمساعدة في إحداث تغيير اجتماعي أو سياسي، لكن خبرة كاتبي الورقة تنحصر في استخدام الإنترنت و بالتحديد تقنيات النشر على الوب.
فرص للنشطاء
جزء كبير مما توفره تقنيات الإنترنت و أخواتها للنشطاء بديهي و واضح لي مستخدم للتكنولوجيا، فيما يلي محاولة للتركيز على فرص أخرى رصدناها تتفاوت في استغلالها ما بين جماعات النشطاء المختلفة.
الدعاية و الحشد
رغم سعى أي مجموعة من النشطاء إلى إنشاء موقع وب لها كجزء أساسي من نشاطها و انتشار استخدام المدونات كبديل في حالة عدم توفر الخبرة التقنية أو الوقت أو المال اللازم لإنشاء موقع كامل، بالإضافية إلى استخدام البريد الإلكتروني كوسيلة أساسية في الدعوة و الحشد، إلا أن أغلب جماعات النشطاء لم تغير من أسلوب عملها لتحقيق أقصى استفادة من تلك المساحات.
فمثلا يتجاهل أغلبنا أن جمهوره على الإنترنت يملك نفس القدرة على النشر مما يعني أن هناك فرصة كبيرة للاستفادة من جمهورك في الدعاية. على الإنترنت نسبة من جمهورك تصل إليك بنفسها عن طريق محركات البحث و الروابط، غالبا بحثا عن قضية أو موضوع و ليس بالضرورة عن جماعة من النشطاء. على الإنترنت لديك فرصة لمد علاقات مع جمهور يصل إليك بالصدفة أو بسبب فضول لحظي.
وجود آليات لاستيعاب ذلك الجمهور ضرورة، و أهمها التفكير في أنشطة محدودة و واضحة لتشجيع تحول هذا الجمهور من متلقي إلى مشارك.
مشاركة الجمهور ليست اختراعا جديدا لكن فيما عدا حضور فعاليات ،المشاركة كانت تستدعي بناء علاقة مباشرة ما بين النشطاء و المشارك، فعلى من يرغب في المشاركة أن يحضر اجتماع أو يزور المقر أو على الأقل يتصل بفلان.
لو أخذنا تجربة الرقابة الشعبية على الانتخابات سنجد مشاركة واسعة من جمهور لا يعرف عنه النشطاء أي تفاصيل، ما بين المدونات و شايفينكم و موقع حركة كفاية انتشرت دعوة للمشاركة في الرقابة الشعبية مصحوبة بشرح لقواعد عميل اللجان الانتخابية و آليات التزوير الدارجة. الجهد العملي الذي بذل في نشر تلك الدعوات كان هزيل جدا و مع ذلك لقيت نجاحا كبيرا )الجمهور توصل للدعوة ثم شارك في نشرها بنفسه(، و طبعا وفرت الإنترنت آلية لتجميع و نشر مشاركات المراقبين الشعبيين.
النشر و التوثيق
يتعامل أغلبنا مع الوثائق التي ننشرها على أنها لحظية، فالتقرير مؤثر لفترة بعد إصداره و توزيعه ثم يقل تأثيره تدريجيا إلى أن ينسى، في أحسن الأحوال إذا كانت جماعة النشطاء منظمة جدا و تملك مقرا ثابتا و درجة من الشهرة تظل تقاريرها و وثائقها متاحة للباحثين و المتخصصين في أرشيف أو مكتبة، وبالطبع أي تأثير تراكمي لتتابع التقارير و الوثائق أو لعميل الجماعات المختلفة يستدعي جهدا بحثيا كبيرا. ولكن بسبب انخفاض تكلفة النشر على الوب يمكن للمحتوى المنشور أن يستمر و يظل متاحا، لن تتغير فرص الوصول إليه جذريا بفضل محركات البحث، وكل المطلوب لإعادة التركيز على وثيقة قديمة هو نشر رابط لها.
محصلة تلك الروابط في حد ذاتها تبني تراكمية للمحتوى، فكل تقرير سنوي يمكنه الربط للتقارير السابقة، لكن آليات النشر الحديثة على الوب تتيح لنا تراكمية أعمق و بمجهود أقل. مثلا، في موقع التعذيب في مصر ، تقوم المحررة بتصنيف أي خبر و وسمه بأسماء الضحايا و رجال الشرطة المذكورين في الخبر بالإضافة إلى مكان وقوع الانتهاك، هذا النظام البسيط يتيح لها )و لكل زوار الموقع( استعراض كل ما نشر عن التعذيب في محافظة أو مدينة ما أو مراجعة تاريخ مركز احتجاز محدد بدون بذل أي مجهود إضافي.
المشاركة و التنظيم
لا يقتصر دور تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات على النشر و التواصل، و إنما يمكن أن تستخدم كمساحة للاجتماع و كآلية للتنظيم.
رصدنا مثلا كيف استطاعت مجموعة 9 مارس (المطالِبة باستقلال الجامعات) تخطي المشكلات التقليدية المرتبطة بتحديد ميعاد ومكان مناسب للجميع بالاعتماد على المجموعات البريدية كبديل لاجتماعات. مجموعة مستخدمي الجنو لينوكس في مصر تفادت مشكلات تحديد الأدوار و توفيق الآراء عن طريق الاعتماد على نظام الويكي لتخطيط و تنظيم فعالياتها، يمكن لأي عضو المشاركة في التخطيط و متابعة كل تفاصيله و تغيير درجة المشاركة و الالتزام بسلاسة.
كما تعتمد مجموعة مستخدمي الجنو لينوكس على الشبكة في إدارة انتخابات ذات قواعد معقدة و فترة انتخاب طويلة.
في حركة كفاية و على المدونات و المنتديات المختلفة المتفاعلة معها، التعليقات على خبر أو مقال تتحول إلى جلسة عصف ذهن و تخطيط لفعاليات بدون أصلا ضرورة خبرة عمل مشترك سابقة.
التواصل و التشبيك
كميا ذكرنا سابقا طبيعة الإنترنت و أخواتها تقلل من الفروق بين الناشر و المتلقي، توزيع بيان بشكل رقمي يمكن أن يتحول لحوار أو فرصة لمد الشبكة و توسيع العضوية.
قبل الإنترنت كان الاستفادة من ما توفره أداة مثل جمع التوقيعات على بيان من فرص لتوسيع الشبكة أمر مجهد و بطيء، قارن هذا "بعضوية" كفاية المتزايدة بسرعة عالية.
الإنترنت أيضا تضعف الفروق بين شبكة العلاقات و العضوية، مجموعة مستخدمي الجنو لينوكس مثل تعتمد تعريفا مفتوحا جدا للعضوية و أيضا قائمة بالأعضاء القدامى )محددة بدرجة نشاط العضو و مشاركته(، لا تختلف حقوق الأعضاء و الأعضاء القدامى لكن تقدير نصاب الاجتماعات و الانتخابات و. تقييم أداء المجموعة يعتمد على الأعضاء القدامى بينما مجموعة 9 مارس تتعمد إبقاء مفهوم العضوية غامض فأي عضو هيئة تدريس يحق له المشاركة في المجموعة البريدية، و كل وثائق المجموعة و فعالياتها يتم جمع التوقيعات عليها و تنشر على أنها تعبر عن توافق الموقعين، أما إذا تعدى عدد التوقيعات حدا معينا ينشر البيان على أنه معبر عن مجموعة9 مارس، إذن العضوية الفعلية هي الأعضاء الكثير مشاركة و الأقدر على الوصول لاتفاق و يمكن استنباط عماد المجموعة من خلال مراجعة الأسماء الأكثر تكررا على البيانات كما يمكن لقلب المجموعة أن يتغير بشكل سلس و عفوي مع الزمن حسب الحاجة. لولا الإنترنت لما أمكن إدارة آلية بهذا التعقيد بشكل شفاف.
يمكننا رصد تجربة مشابهة و إن كانت غير ممنهجة في حركة كفاية و المدونات المتفاعلة معها، فالعضوية تحولت إلى فكرة مطاطية معتمدة على مدى استعداد الفرد للمشاركة و المبادرة لكن فضاء الإنترنت ساهم في إعطاء المبادرات المختلفة إحساسا بالوحدة و الترابط و وفر فرصة للمراجعة و التقييم.
البحث و التقصي
رغم انتشار القناعة بأن الإنترنت تحتوى على مصادر مهمة للمعلومات و أداة أساسية للباحثين إلا أن خبرتنا بحكومات لا تحترم الحق في المعلومات يجعلنا نفترض دائما أن المعلومة غير متاحة و نتجاهل أحيانا مصادر مهمة متاحة.
تشكل وثائق الحكومة الإلكترونية و المصادر الاقتصادية الدولية و المصادر الأكاديمية كنزا لم نبدأ بعد في الاستفادة منه بشكل حقيقي.
مثلا مبادرة مزلاندو (www.mzalendo.com) تجمع مضابط جلسات البرلمان الكيني و غيرها من الوثائق المتاحة عبر الوب و يقوم متطوعون بإعادة صياغة تلك البيانات في شكل جداول مركزة تصف أداء كل عضو و تعرض تاريخه المهني و السياسي محولة بذلك مجموعة من الوثائق المبهمة إلى معلومات مفيدة سهل التعامل معها )من السيرة الذاتية للعضو إلى سجل تصويته على قرارات المجلس و القوانين التي شارك في صياغتها(.
لكن الأهم من متابعة المصادر المختلفة هو الاستفادة من جمهور الوب كمشارك في عملية البحث و التقصي، مثلا لاحظ الصحفي فرناندو رودريجوز بعد كشف عدد من فضائح فساد السياسيين في البرازيل أن الصحافة لا تملك القدرة أو النية لمتابعة كل السياسيين و إنما تركز على بعض الوزراء فقط، فقام بنشر كل إقرارات الذمية المالية التي تقدم بها السياسيون المنتخبون و أصحاب المناصب الوزارية على أحد المواقع ثم اعتمد بعدها على تقارير تصله من جمهور الموقع لتقدير مدى مطابقة تلك القرارات للواقع )يقوم الزائر مثلا بالإبلاغ عن فيلا أو أرض ملك برلماني مغمور يفوق سعرها مستوى الدخل المذكور في القرار(.
لا تنحصر فكرة مشاركة الجمهور على شبكة الناشط المباشرة و جماعة المهتمين بالقضية محل البحث، توفر تقنيات الوب الحديثة فرصا عجيبة أحيانا. مثلا قام المدون التونسي أستروبال )صدر بعل( بمتابعة رحلات طائرة الرئاسية التونسية معتمدا على مواقع لهواة الطائرات في أوروبا و رصد مجموعة كبيرة من الرحلات التي لم يذكرها الإعلام التونسي)قد تكون رحلات علاج سرية(.مواقع هواة الطائرات تعتمد على مشاركة الزوار في رفع صور لطائرات في مطارات قريبة منهم و مصنفة بنوع الطائرة و شركة الطيران و رقم تسجيل الطائرة و طبعا مرفق بها تفاصيل عن تاريخ الهبوط و الإقلاع، الغرض من تلك المواقع غير سياسي بالمرة و من التقط الصور ربما يجهل أنها طائرة الرئاسة التونسية أصلا.
تحالفات جديدة
يعرف الناشط أن عليه الذهاب إلى حيث يتجمع الناس إذا كان يرغب في مخاطبتهم أو استقطابهم، أزمة النشطاء في مجتمعنا دائما مرتبطة بتلك الخطوة فهي محفوفة بالمخاطر و تتطلب إبداعا عاليا. لا تلغي الإنترنت تلك الصعوبات لكنها على الأقل تسهل للجمهور الوصول للنشطاء إن اهتم كما أنها و لأسباب عديدة تتيح الفرصة لبناء تحالفات جديدة.
الالتقاء حول فكرة
مهما حاولت أن تبني تجمع للنشطاء يرتكز حول فكرة أو قضية، يبقى الوصول خارج شبكة علاقاتك الشخصية أمرا صعبا، على الإنترنت جزء من جمهورك سيأتي بحثا عنك و جزء آخر سيستخدم التقنية في توسيع دائرة اتصالاتك.
مثلا فيما يخص قضية التعذيب في مصر تشكلت شبكة جديدة من المهتمين بالقضية تلعب فيها طبعا المراكز الحقوقية ذات السجل الطويل في تناول القضية دورا مركزيا، لكن عكس المتوقع بدأت الشبكة أصلا بالمدونين و شباب النشطاء المهتمين بالتعذيب و تم استقطاب تلك المراكز للمشاركة بعدها.
و بالمثل شكلت مبادرة كلنا ليلى فرصة لمدوِّنات يعرفن أنفسهن على أنهن نسويات و مدونات يعرفن أنفسهن على أنهن فتيات محافظات أن يتلاقوا في نشاط مشترك بل و أن يكتشفوا لغة مشتركة في جو قد يصعب خلقه في فضاء به درجة أعلى من الاحتكاك و يستدعي مقدمات أعقد للمشاركة.
دور أكبر للشباب
تتيح تكنولوجيا المعلومات فرصة أعلى للتواصل مع الشباب، فأماكن تجمعهم على الشبكية عديدة و استخدامهم لأدوات التكنولوجيا يومي ومعدل الانتشار في تزايد دائم. لكن و بسبب طبيعية الإنترنت الوصول إلى الشباب يستدعي بالضرورة إعطائهم دور و تأثير أكبر، نجزم مثل أن تخطي حركة كفاية للمشاكل التقليدية المرتبطة بسيطرة جيل بعينه على اتخاذ القرار لم يأت بناء على تخطيط أو حتى نية من منسقي كفاية و إنما حدث بشكل عفوي نتيجة للاعتماد على فضاء الإنترنت )استدعى الأمر طبعا سعة صدر و رحابة بل و صبر شديد من المنسقين و النشطاء ذوي الخبرة(. فمثلا مبادرات التضامن مع القضاة التي تمثل في رأينا ذروة نشاط الحركة، لم يتم الاتفاق على أغلبها من خلال آليات اللجان التنسيقية.
و رغم أن ذلك التوسع الغير ممنهج أدى في النهاية إلى مشاكل تنظيمية معجزة، لكنه كان أيضا السبب الرئيسي في قدرة الحركة على تقليص تأثير الخلافات بين التيارات المختلفة و تاريخ الصراعات بين النشطاء القدامى، لو قارننا هذا بالقدرة المذهلة للتشكيلات التقليدية مثل الأحزاب على إعادة خلق صراعات قديمة في الأجيال الشابة من الأعضاء يتضح لنا ما تحمله آليات التوسع خلال الإنترنيت من
فرص.
مشاركة أوسع من الطبيعيين
مأزق التواصل فرض درجة من العزلة حتى على أنجح النشطاء. كلمة نشطاء في حد ذاتها دليل، فالبشر إما نشطاء و إما مواطنين عاديين، و رغم تعدد جماعات النشطاء لا أظن أن أيا منا ينكر محدودية مشهد حقوق الإنسان مثل. ارتبط انتشار استخدام الإنترنت و أخواتها في الحشد و التنظيم بزيادة مشاركة "الطبيعيين"
قد تكون مشاركة الطبيعيين أهم الدروس المستفادة من مبادرة الرقابة الشعبية على الانتخابات في مصر، نريد أن نكرر هنا التأكيد على أهمية تصور أنشطة و مشاركات "متناهية الصغر" تتيح للفرد العادي الانخراط في قضية من دون الاحتياج لالتزام عضوي أو أيديولوجي. و تثبت تجربة الانتخابات أن المطلوب ليس نشاط سهل أو آمن فمراقبة لجنة انتخابية في مصر ليس بأمر هين، لكن الدعوة لاقت نجاحا في رأينا لأن المطلوب من المشارك كان فعلا واضحا له بداية محددة و خطوات واضحة و نهاية محددة و مردود يسهل فهمه و البناء عليه، و طبعا استخدام الإنترنت عفا المشارك من تعقيدات الاتصال بالنشطاء و من إحساس "التدبيسة".
تفعيل دور الطبيعيين مع انتشار تكنولوجيا الاتصالات يتيح أحيانا فرصا غير متوقعة، فمثلا بعيد اعتقال المتضامنين مع القضاة في صيف 2006 انتشرت على شبكات المحمول رسالة تدعو المتلقي أن يتوجه بالدعاء "لإخوته في الوطن المحبوسين علشانه".لم تبدأ تلك الرسالة عند أي من النشطاء على حد علمنا.
إلغاء الحواجز بين السياسة و الثقافة
من الظواهر العجيبة في بلدنا العزلة شبه التامة ما بين أي نشاط يشتبه في كونه سياسيا و أنشطة أخرى طبيعية كالفن و الثقافة )مع استثناءات قليلة مثل الصراع العربي الإسرائيلي(، ففي الجامعة مثلا تجمعات الطلبة إما أنها سياسية فقط لدرجة الملل أو أنها تتفادى أي شبهة سياسية من أي نوع و كأنها الجذام. التحالفات الجديدة على الإنترنت و الدمج ما بين أفعال التوثيق و الدعوة و التنظيم و الحشد ساعدت في كسر هذه الحواجز. نادرا ما تجد منتدى أو مدونة غير متخصصة على الإنترنت تتفادى السياسة تماما و الأهم صار للنشطاء وجه إنساني طبيعي واضح للجماهير، فرأي جمال عيد في عمرو دياب مثلا قد لا يكون مهما و لكنه يكسر الصورة النمطية للناشط كمناضل متفاني منتظر الشهادة ممل و زاعق.
نظرة محلية
من أول تجاهل من يقطنون خارج العاصمة إلى تجاهل أي صوت يعلو فوق صوت المعركة، الاستعداد للمركزية المبالغ فيها أو التركيز على القضايا الكبرى على حساب أي قضية أخرى عادات متأصلة. مهما كان حسن نيتك من الصعب إدارة شبكة قطرية من دون انحيازات جغرافية، فمكان الاجتماع يتحول إلى المحدد الرئيسي لمن سيحضر الاجتماع، استخدام آليات رقمية يحسن من فرص الجميع في المشاركة.
فمثلا تعتمد جماعة 9 مارس على المجموعة البريدية كوسيلة أسياسية للتنظيم و التخطيط مما يسمح لأعضاء هيئة التدريس المقيمين خارج القاهرة بمشاركة فعالة.
الأهم أن الجهود المغرقة في المحلية لها نفس الفرصة في الإعلان عن نفسها و التواصل، ففريق مهتم بالحق في السكن في محافظة نائية و فريق آخر في العاصمة لا يفرق بينهما محرك البحث و روابط الوب.
تعاون دولي
واضح طبعا أن التقليل من تأثير القيود الجغرافية لا يتيح فقط فرصة لمشاركة محلية أكثر و إنما يتيح أيضا فرصة لمشاركة دولية.
طبعا هناك أمثلة حملات التضامن الدولية مع المدونين التي تخطت في سرعة تنظيمها و سعة رقعتها و قلة تكلفتها أي توقعات مبنية على خبرات سابقة، لكن ربما يكون أفضل مثال هو حملة التضامن مع عمال مصانع المنصورة أسبانيا حيث تلقي الناشط حسام المحلاوي اتصال من نشطاء مناهضة العولمة مهتمين بمتابعة سلسلة محلات وول مارت بالولايات المتحدة يعرضوا فيه مساعدتهم بعيد اكتشافهم أن . المنصورة أسبانيا مورد أساسي للملابس الجاهزة لوول مارت
علاقة أعمق بالصحافة
ما بين الصحافة الشعبية والعمل الإعلامي المباشر تتيح الإنترنت و أخواتها أدوات عديدة للنشطاء للتحكم في صورتهم الإعلامية و التأثير على أولويات و وجهة نظر الصحافة. إدراك عدد لا بأس به من المؤسسات الصحفية ضرورة التطور للاستفادة من الواقع الجديد الذي فرضته تكنولوجيا الاتصالات و المعلومات يتيح للنشطاء فرصة لإقامة علاقات أكثر عمقا مع الصحافة.
تمثل فعاليات التضامن مع القضاة المصريين في 2006 تجربة ثرية في بناء علاقة مركبة مع الصحافة، فرغم اهتمام الصحافة بالقضية إلا أن بعض النشطاء و المدونين رغبوا في توجيه التغطية بشكل متفاعل أكثر مع هموم المواطن العادي. مثلا وفر الملف الإعلامي الذي جهزه المدون أحمد غربية نقطة مركزية ربط لها العديد من المدونين و تحولت إلى مصدر للصحفيين )خصوصا ترجمات أحمد لتدوينات بهية(. وكانت الذروة بعد اعتقال مئات المتضامنين مع القضاة في تجربة التدوين من خلف أسوار السجن، حيث نشرت و ترجمت العديد من تدويناتنا في الصحافة المحلية و الدولية و انتهى الأمر بتحرير صفحة أسبوعية في جريدة الدستور من داخل السجن.
ختام
يستحق كل مثال من الأمثلة المذكورة في الورقية دراسية مستقلة لاستخلاص دروس و نصائح و آليات يمكن للنشطاء الاعتماد عليها في تطوير عملهم.
رغم اعتماد النشطاء المتزايد على التكنولوجيا إلا أننا لازلنا نفتقر لخبرات و جهود تقنية محلية معنية بتطوير آليات النشر و التنظيم و التواصل و مشاركة في العمل المباشر مع النشطاء، قد يكون هذا وضعا مقبول طالما تعاملنا مع تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات على أنها مجرد أدوات بسيطة لكن بعيد أن رصيدنا عمق تأثير تلك التكنولوجيا على أساليب العمل و أشكال التنظيم و ثقافة و وعي المجتمع، نظن أن الأمر يستدعي محاولات أكثر جدية لاستقطاب تقنيين أكثر و للنظر إلى أدواتنا بشكل أعمق.
عن كاتبي الورقة www.manalaa.net
منال حسن
مطورة مواقع وب،
متحيزة للبرمجيات الحرة مفتوحة المصدر،
مهتمة بتقاطع مجالي التنمية و تكنولوجيا المعلومات،
و يبهجها العمل مع الأطفال.
علاء عبد الفتاح
كان بإمكان علاء عبد الفتاح أن يصير عالما مهما أو مطور برمجيات مشهور لكنه كلما بدأ في الطريق تشتت ذهنه بمطاردة الفراشات اللامعة أو التقى بصحبة لطيفة فجلس و نسى مشواره.
حاليا يقضي علاء أغلب وقتيه أمام شاشة حاسوب متظاهرا بالعمل و النضال، إن سئل عميا يفعل سيرد بمونولوج طويل عين ثورة قادمة يعمل جاهدا على إذكاء نيرانها. و ستعكس خطة ثورته المزعومة آخر الموضات الرقمية فهي ثورة حرة مفتوحة المصدر منبرها التدوين و الصحافة الشعبية، و ميثاقها منقوش على ويكي دائمة التغير و طليعتها سحب من الروابط و الوسومات و عناوين البريد.
منال وعلاء











