ورقة عمل الأستاذ خالد السرجاني مدير تحرير جريدة الدستور المصرية
قد يظن بعضنا أن هذا العنوان يدخل في إطار السريالية أو اللا معقولية ، بالنظر إلى أن الفهم السائد للمنهجين أو الأسلوبين الصحفيين هو أنهما متنافسان ، فما نقرأه في الدوريات المتخصصة في الغرب هو أن النشر الالكتروني بأشكاله المتعددة من مواقع وصحف الكترونية ومدونات قد اثر على الصحف الورقية من عدة أوجه ، أولها مستوى المقروئية حيث قلل من أعداد النسخ المباعة من الصحف الرئيسية الكبرى ، وثانيها أن النشر الالكتروني أصبح ينافس الصحف في دخل الإعلانات الأمر الذي دفع الصحف الكبرى إلى تأسيس مواقع الكترونية لها تنافس إشكال النشر الالكتروني الأخرى في دخل إعلاناتها وتتعامل مع الإعلانات بنفس منهج أسلوب تعامل المواقع الالكترونية معها مثل الأنماط التفاعلية وتستخدم برامج الملتيميديا وغيرها من البرامج التي كانت قاصرة في البداية على وسائل النشر الالكتروني . أما ثالث أوجه التأثير فيتعلق بأن أشكال النشر الالكتروني قد أرغمت الصحف الورقية على تغيير محتواها وذلك باستحداث أبواب و زوايا خفيفة تنافس أبواب النشر الالكتروني في طريقة الكتابة ، وتوسعت صحف وقورة في نشر الصور والرسوم وغيرها الأمر الذي يمكن معه أن نقول من دون ادعاء أو تجاوز أن النشر الالكتروني أحدث نقلة تحريرية وإدارية في الصحف الورقية .
ولكن في مصر الوضع يختلف تماما بما يفرض أشكالا وآليات للدعم المتبادل بين النمطين ، فلنا أن نعترف بأن المواطن المصري مازال يعتمد على القراءة على الورق ولم يصبح كما هو في الخارج من الذين يعتمدوا على أجهزة الكمبيوتر ، تؤكد ذلك إحصاءات مستخدمي الانترنت في مصر . والانتقال من الاعتماد على الصحف الورقية إلى وسائل النشر الالكتروني يتطلب وقتا وتراكما معرفيا يمكن أن يستمر طويلا في ظل الأوضاع المعرفية السائدة في مصر التي تزيد فيها نسبة الأمية "الألفبائية"، فما بالك بالأمية الالكترونية . يضاف إلى ذلك أن نشأة النشر الالكتروني في مصر والوطن العربي تختلف عنها في الدول الأخرى ، لأن السبب الرئيسي في تأسيس معظم المواقع هو القفز على القيود الهائلة التي تضعها الأنظمة السياسية على تأسيس الصحف الورقية ، فلما انتشرت شبكة الانترنت أصبح النشر عبرها بديلا عن الصحف الورقية بالنسبة لتيارات صحفية وسياسية متعددة ، يمكن القول أنها لو أتيح لها أن تصدر صحفا ورقية لما ترددت على الرغم من نجاح وسائل نشرها الالكتروني.
وهذا الوضع المختلف يفرض بالتأكيد على كلا النمطين من أنماط النشر جدول أعمال مختلف عنه في الغرب أو الدول التي تتنافس فيها الصحف الورقية مع وسائل النشر الالكتروني ، وهو الأمر الذي أجبر النمطين على إبداع العديد من وسائل وآليات الدعم المتبادل . وهنا لابد من الإشارة إلى أمرين الأول أننا لا نقصد بالدعم ما تفعله بعض الصحف من تخصيص صفحة او باب أو زاوية للمدونات تعيد فيها نشر ما هو منشور في بعض المدونات او التعريف ببعضها الآخر ، أو عندما تعيد بعض الصحف نشر موضوعات نقلا عن مواقع إلكترونية مع الإشارة إليها فيما يعد بمثابة تعريف للقراء بهذا الموقع ونوعية الموضوعات التي تنشر فيه . والأمر الثاني ليس معنى التكامل هو أن تهتم الصحف الورقية بالنشر الالكتروني وذلك بان يكون لها موقع الكتروني خاص بها على النحو الذي تقوم به عدة صحف مصرية لان ذلك لا يعنى التكامل ولكن صورة من صورة التصدي لمنافسة وسائل النشر الالكتروني . ومعظم الصحف التي فعلت ذلك لا يمكن لها بحال من الأحوال أن تقوم بأي من أعمال الدعم للنشر الالكتروني ونخص هنا الصحف القومية التي لكل منها موقع إلكتروني لكنه لا يمكن أن يتكامل مع وسائل النشر الأخرى وإن كنا نزعم أن هناك تكامل كبير بين كافة الصحف القومية يتطلب مواجهته من وسائل النشر المختلفة معها في التوجهات السياسية الأساسية، ناهيك بالطبع عن أن هناك كثير من الصحف قامت باستحداث مواقعها الالكترونية باعتباره شكل من أشكال الوجاهة والنفوذ أكثر منة وسيلة للتصدي للمنافسة أو من باعتباره خدمة لقرائها .
و هنا نطرح شكلا آخر من صور الدعم التقليدي المتبادل بين أسلوبي النشر المختلفين ، وهو القائم على التعاطف المتبادل للأسباب الإنسانية او السياسية ، ونموذجه الأساسي يتمثل في مواقف بعض الصحف ووسائل النشر الالكتروني الأخرى عندما تم اعتقال المدون عبد المنعم محمود الذي وقفت بجانبه الصحف الخاصة المصرية وكانت إحدى آليات الضغط على أجهزة الأمن من أجل الإفراج عنه . ومازالت هناك بعض الصحف تتعاطف مع وتقوم بعملية توعية للرأي العام بقضية المدون كريم عامر ، بما يعنى أن هذا الأسلوب من أساليب التكامل يحقق مصلحة على الأخص لقطاع النشر الالكتروني وبما يؤكد انه في بعض القضايا والمراحل المهمة لابد وان يتكامل الجانبين لمصلحة أحدهما أو كليهما .
فالحاصل أنه توجد قضايا مشتركة بين الجانبين تفرض غليهما التعاون بل التكامل فيما بينهما ، وهى بالطبع قضايا مشتركة ليس بين كل الصحف الورقية وكل وسائل النشر الالكتروني ، وإنما مشتركة بين الصحف التي تنحاز للحريات وقضايا الناس وبين وسائل النشر الالكتروني التي تهتم بنفس القضايا ولها نفس القيم . وإذا بحثنا على الجانبين سنجد أن من يمكن أن يدرج في هذا المعيار هو بعض الصحف الخاصة سواء اليومية أم الأسبوعية وبعض المواقع والصحف الالكترونية والمدونات . وهذه فقط هي التي يجب عليها البحث عن وسائل واليات للدعم المتبادل فيما بينها.
ولكي نؤكد أهمية التكامل بين وسائل الأعلام سواء الورقية أم الالكترونية نشير إلى حلقة نقاشية نظمتها شبكة آي بي أس قالت أنورادا ميال المدير التنفيذي لمعهد أوكلاند بالولايات المتحدة أن قوة الإعلام البديل ، وهى هنا تقصد وسائل النشر الالكتروني وبعض آليات التصوير الرقمي وليس كل الإعلام البديل الذي تدخل فيه أيضا بعض الصحف التي أسست لهذا النوع من الإعلام مثل جريدة "كاونتر بانش" الأمريكية ومجلة ذا نيشن وغيرها من الصحف الورقية التي تسبح عكس تيار الشركات الاحتكارية السائد ، ظهرت قوة الإعلام البديل ، حسب قول ميال ، في مناسبات عديدة مثل جمع أدلة عن وحشية الشرطة على أجهزة تصوير الفيديو في مؤتمر مجموعة الثماني في جنوا، ومن خلال الاعتراضات المنسقة عبر مواقع الإنترنت والهواتف المحمولة في مؤتمر الحزب الجمهوري بالولايات المتحدة. لكنها في نفس الوقت أقرت بأنه لا يزال هناك حاجة حقيقية للصحافة الجيدة في هذا العالم الجديد من الإعلام الشجاع . كذلك فان بعض المنتمين إلى الإعلام البديل اقروا في نفس الحلقة النقاشية بأن الجزء الصعب بالنسبة لهم هو وصول الجماهير لأعمالهم. فقد قال المخرج نعيم مهيمن، الذي يبحث فيلمه الوثائقي "اختفى في أمريكا" مسألة اعتقال المهاجرين المسلمين بعد الحادي عشر من سبتمبر، قال إنه لم يكن راضيا عن الجماهير التي استطاع أن يصل إليها من خلال التصوير في مهرجان أفلام أو من خلال البث في بعض محطات التليفزيون المحلية. وهذا الأمر يعنى أن التكامل بين الجانبين يمكن أن يحل مشكلات لكل منهما بما يؤدى في النهاية إلى نجاحيهما في تأدية الرسالة الأساسية لكل منهما .
وهنا نطرح آلية نعتقد أنها مهمة للتعاون بين الصحف الورقية ووسائل الإعلام الالكتروني، وهو أن تجتمع التي تتشارك منها في نفس القيم السياسية ونهتم هنا فقط بتلك التي تواجه الظلم والطغيان والاستبداد وتسعى إلى التنوير وتقف في خندق المطحونين في مواجه الحكومات لكي تصيغ فيما بينها مدونة سلوك لتنظم العلاقة فيما بينها على كافة الأصعدة ، فإذا كانت وسائل الإعلام الكبرى في الغرب تصيغ فيما بينها مدونات للعلاقة فيما يشبه الميثاق الأخلاقي للتعامل فيما بينها اعتقد انه من المناسب أن تجتمع الصحف الورقية وسائل النشر الالكتروني التي يوجد فيما بينها توافق في القيم الأساسية والتوجهات السياسية على صياغة مدونة سلوك للتعامل فيما بينها تشمل العديد من المبادئ الأساسية على أن يعقب ذلك صياغة لوائح تفصيلية لهذا الأمر .
وهذه المدونة لابد وان يكون أول مبادئها عدم نيل احد الوسائل من الآخر وذلك ، بالا يهاجم احدها الآخر، ولا تنشر الأخبار الداخلية المفبركة عن بعضها البعض لان معظم مصادر مثل هذه الأخبار تكون عادة الجهات الأمنية وفى حالة ورود خبر عن أحدى الوسائل للأخرى يجب عليها التأكد المباشر من صحتها وعدم الاعتماد على وسائل وسيطة في نشر مثل هذه الأخبار ، وهنا لابد من الإشارة إلى أن هناك مواقع نشر الكترونية ومدونات تنشر أخبار مدسوسة ومجهلة حول صحف خاصة أو مواقع أخرى مماثلة لها من دون التحقق منها بما يسبب إساءة لوسائل نشر من المفروض أن يكونا معا في خندق واحد في مواجهة الاستبداد والطغيان .
ويجب أن تشمل هذه المدونة أن يراعى مصدروها الالتزام بعدة معايير على رأسها مراعاة الدقة في نقل المواد فيما بينها وان تشير إلى مصدر المعلومات في حال النقل . فما نشاهده حاليا هو أن بعض الصحف تنقل موضوعات من مواقع الكترونية ومدونات من دون الإشارة إلى مصدرها بما يبدو لقارئها أن العاملين فيها هم الذين تعبوا في جمعها وتصنيفها وتحليلها ، وإذا كانت بعض الصحف ووسائل النشر الالكتروني لا تراعى حقوق الملكية الفكرية في عملها نعتقد أن مدونة سلوك فيما بينها يمكن بموجبها أن تحفظ كل منها حقوق الآخرين وبما يحول دون حدوث خلافات فيما بينها . وإضافة إلى مراعاة حقوق الملكية الفكرية فان هذا المبدأ سوف يساهم في المحافظة على مصداقية الصحف ووسائل النشر المشاركة في مدونة السلوك هذه لان القارئ أو المستخدم إذا ما عرف أن هناك اقتباس غير مشار إليه يتشكك في مصداقية الجريدة او الموقع الذي يتعامل معه وهناك وسائل منافسة أو مختلفة في التوجهات تستخدم مثل هذه الخلافات من اجل اغتيال مصداقية بعض الصحف أو المواقع الالكترونية . وإذا كانت متطلبات السرعة والعمل اليومي لا تتيح لبعض وسائل النشر الحصول على موافقة على إعادة نشر موضوع محدد فيحدث الاقتباس فان التوصل إلى مدونة سلوك دائمة تعفى من الحصول على موافقة على كل موضع بما يزيل العذر الذي يطرح عادة في مواجهة هذه المشكلة .
والحاصل أن هذه الخلافات موجودة بالفعل لكنها كامنة ويتم الحديث عنها في الجلسات الخاصة وأحيانا ما تحدث شكاوى شفهية من وسيلة لنشر لأخرى عن نقل موضوعات من دون الإشارة إلى مصدرها ، ونعتقد أن مثل هذه المدونة ستفتح أبواب عديدة للتعاون بين وسيلتي النشر المختلفتين . بل يمكن أن يفتح أبواب أخرى للتكامل فيما بينها ، فكلنا يعلم أن هذه الوسائل وبسبب القيم العامة التي تؤمن بها وأيضا بسبب مواقفها السياسية ، تعانى من قلة الإمكانيات على الصعيد المالي والبشرى والتكنولوجي ، وهنا يمكن أن تستعين جريدة بصحفيي او مصوري موقع الكتروني في تغطية حدث ما ، ولكن بشرط أن تتم الإشارة إلى ذلك بصورة واضحة ويمكن أيضا لموقع أن ينقل موضوعات من صحيفة ورقية ولكن بشرط الإشارة لذلك .وهذا الأمر يمكن أن يكون وسيلة تستخدم فيها وسائل النشر للترويج لوسائل النشر الأخرى المتعاونة معها .
وهذا الشكل من أشكال التعاون او التنسيق يعنى أن وسائل النشر الورقية والالكترونية التي تجمع بينها قيم وهموم مشتركة يؤسس فيما بينها شبكة للتعاون وتبادل المعلومات والموضوعات ، فإذا كانت وسائل الأعلام الكبرى تجمع فيما بينها شركات احتكارية كبرى تجعل منافستها أمرا غاية في الصعوبة أن لم يكن مستحيلا ، فان هذه الشبكة الواقعية غير المعلنة يمكن أن تجعل المنافسة ممكنة بما يحقق صالح القراء بالنسبة للصحف الورقية وللمستخدمين بالنسبة لوسائل النشر الالكتروني ، وهناك تجارب عديدة ناجحة في هذا المجال منها التعاون والتنسيق بين ما يطلق علية اسم الإعلام البديل في الولايات المتحدة ، وهذه التجارب أتاحت لها الاستمرار رغم إمكانياتها المادية الضئيلة وجعلت منها مؤثرة في مواجهة احتكارات إعلامية كبيرة وهذه الوسائل على الرغم من إمكانيتها المحدودة تؤرق القوى الحاكمة اقتصاديا وسياسيا في الولايات المتحدة ، بما يؤكد نجاح هذا النوع من الأعلام .
ولاشك أن هذا النوع من التعاون والتنسيق بين وسائل النشر ، تضاف إلى التراث السابق في التعاون بينها والذي شمل تغطية المشكلات والأزمات التي واجهتها بعضها وتعاونت معها الأخرى سواء بالتضامن الذي شمل إصدار بيانات مشتركة أو النشر حتى يتضامن الرأي العام معها ، فقد سبق لنا الإشارة إلى التضامن المشترك في أزمات كل من عبد المنعم محمود وكريم عامر وفى كل حالات القبض على أو توقيف صحفيين أو مدونين ، وهنا لابد من الإشارة إلى الدور الذي تقوم به مدونة الوعي المصري الالكترونية التي يشرف عليها وائل عباس في نشر الانتهاكات التي يتعرض لها المدونين والصحفيين وعموم المواطنين . والدور الذي تقوم به الشبكة العربية التي تستضيف ورشة العمل في التضامن مع وسائل الأعلام والنشر الأخرى . ونعتقد انه لولا هذا التضامن لم تكن وسائل النشر هذه تتمتع بهامش الحرية الراهن .
ونستطيع أن نورد مثالا كاشفا هو محاكمة إبراهيم عيسى ، فعندما تم التحقيق معه في القضية المعروفة إعلاميا باسم صحة الرئيس ، كان الاتجاه العام هو محاكمته أمام إحدى محاكم امن الدولة وأحكامها لا تخضع للاستئناف ، ولكن عندما تضمنت معه وسائل النشر الأخرى خاصة المواقع الالكترونية ومدونات سارعت المنظمات المعنية بحقوق الإنسان وحرية التعبير بالتضامن معه هي الأخرى بما جعل النظام يدرك التكاليف المرتفعة لهذه المحاكمة فتراجع عن محاكمة إبراهيم عيسى أمام محكمة استثنائية . وبالطبع لم تكن منظمات حقوق الإنسان تتخذ هذا الموقف بصورة سريعة لو لم تكن قد علمت موقف المحاكمة بصورة سريعة وهذا الأمر كان بسبب ما نشر من بيانات صدرت في الداخل ونشرت عبر وسائل النشر الالكتروني ثم عبر الصحف الخاصة والمستقلة بعد ذلك . وهناك أمثلة متعددة يمكن الإشارة إليها ولكن هذا المثال بالذات يعد نموذجيا حول الموضوع محل الحديث .
خالد السرجاني









