skip to content

حقوق الإنسان والإنترنت – العراقيل والإمكانات المتاحة

ورقة عمل أعدها الأستاذ هشام شرقاوي الناشط الحقوقي بالمغرب

بادئ ذي لابد من الإقرار بحقيقة ذات أهمية من الناحية التاريخية وهي أن الانترنت أحدثت قطيعة مع ماضي التستر على الانتهاكات التي تحدث في العالم، إلى واقع أصبح فيه العالم قرية صغيرة تتداول فيها المعلومات في اقصر وقت ممكن. إذ مع انطلاق شبكة الانترنت بشكلها التسويقي عالميا سنة 1993 ، تغيرت مناهج ومعاني الكثير من الاستخدامات الحياتية اليومية وأصبح تطور قنوات الاتصال والتعبير يسير بشكل متصارع لم تعهده الوسائل الإعلامية ساهم في نشر ثقافة حقوق الإنسان عالميا بالرغم من القيود التي فرضت عليه.
المبحث الأول: دور الانترنت في نشر ثقافة حقوق الإنسان
بالفعل لعب الانترنت دورا مهما في نشر الوعي بحقوق الإنسان من خلال تسهيل الوصول إلى المواثيق الدولية وتعميمها ورصد الخروقات وفضحها، و قبل التطرق إلى ذلك لابد من تحديد المتدخلين في هذه العملية التواصلية مع إبراز المعوقات التي تحد من فعاليتها.
لان نشر ثقافة حقوق الإنسان عن طرق الانترنت بوصفها علاقة تواصل تقوم الوظيفة الاتصالية فيها بدور جوهري يؤثر على مضمون رسالة حقوق الإنسان.
المرسل
تحدد طبيعة المرسل أهدافه التي يسعى لتحقيقها من خلال عملية الاتصال وأهداف معظم منظمات حقوق الإنسان تتلخص في فضح انتهاكات حقوق الإنسان، نشر مبادئ وقيم حقوق الإنسان وتوثيق تجربة حقوق الإنسان للاستفادة منها، غير أن هناك فجوة كبيرة وعميقة بين هذه الأهداف التي تفرض الاتصال بقطاع واسع وعريض من الجمهور وبين إمكانيات المنظمات.
الرسالة
تعتمد قواعد صياغة الرسالة على نوع الجمهور المستهدف فالرسالة التي تصدرها معظم نشرات حقوق الإنسان مرتبطة بأهدافها التي رصدناها سابقا، وإذا تأملنا صياغة هده الرسالة فسنجد أنها بعيدة عن الجمهور المستهدف حيث تتميز بلغة اصطلاحية متعالية بعيدة عن المتلقي العادي.
الوسيلة
وهي الطريقة التي تحمل الرسالة والتي تتعرض للعديد من المعوقات بدءا من المنافسة الشديدة من وسائل الإعلام الالكترونية وتأثيرها القوي على الجمهور المستهدف إلى الرقابة الصارمة التي تفرض عليها إلى جانب منعها أو مصادرتها في أي وقت.
الجمهور
وهو المحدد الأساسي للعملية الاتصالية لدلك فعملية الاتصال الناجحة هي التي تستهدف جمهورا عريضا يشكل جميع الفئات من الجمهور من صانع قرار مثقف سياسي إلى الشيوخ والشباب و غيرهما.
استطاعت حركة حقوق الإنسان عن طريق الانترنت أن تعرف تقدما كبيرا في مجال الحماية و النهوض بحقوق الإنسان، بحيث تمكنت أن تتعرف على عدة مواقع خاصة بحقوق الإنسان، أكثرها أهمية مواقع الأمم المتحدة بالإضافة إلى مواقع أخرى لمنظمات غير حكومية كمنظمة العفو الدولية وغيرها، و هذه المواثيق مكنتها أولا من التكوين الذاتي في مجال حقوق الإنسان وكذلك نشر الوعي بحقوق الإنسان، من جهة أخرى عن طريق رصد الخروقات وفضحها فقد أضحت الانترنت اقرب وسيلة لفضح خروقات حقوق الإنسان على الصعيد العالمي. ففي الوقت الذي كان التعتيم يمارس على انتهاكات الماضي أصبحنا نتعرف على مرتكبي الانتهاكات في الدقيقة التي تتلو الخروقات و هذا ما قوى حركة حقوق الإنسان على الصعيد العالمي للمطالبة بترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب لتوفرها على المعلومة وكذا الآليات الحقوقية المساعدة على الرصد والفضح والمتابعة.
المبحث الثاني:العراقيل
لقد فطنت القوى المناصرة لحقوق الإنسان إلى أهمية الانترنت في الترويج لمبادئها وكسب الأنصار وتشكيل قوى الضغط و زيادة الوعي بين الجماهير بتلك الحقوق ووضعها موضع التطبيق غير أن هده الإرادة تصطدم بعدة عراقيل يمكن تلخيصها فيما يلي :
غياب التكوين في مجال مواكبة التطور المستمر للانترنت
إذا كانت الأمية في وقت من الأوقات تعني عدم معرفة القراءة و الكتابة فان الأمية في يومنا الحاضر تعني عدم معرفة استعمال الانترنت، و هذا يمثل عائقا أساسيا أمام المدافعين على نشر قيم حقوق الإنسان الدين يجدون عدة صعوبات لولوج عدة مواقع.
هناك عامل آخر وهو عامل اللغة، بحيث أضحت اغلب أدبيات حقوق الإنسان عند صدورها تصدر باللغة الانجليزية كما أن اغلب مواقع المنظمات الغير حكومية العالمية فيها نشرات مهمة باللغة الانجليزية تتطلب مصطلحات خاصة للوصول إليها (انطلاقا من تخصصي في مبدأ عدم الإفلات من العقاب الدولي والعدالة الانتقالية فأغلب الوثائق الخاصة والمعنية بهذا الموضوع توجد باللغة الإنجليزية).
هدا فضلا على وجود عدة مشاكل تعوق المستخدم العربي عن استخدام الانترنت وتصفح المواقع العربية نظرا لمحدودية انتشار استخدام الانترنيت في الوطن العربي سواء من حيث التجهيزات او عدد المستخدمين الانترنت مقارنة بالنسب العالمية بسبب بعض المعوقات الفنية والمصطلحية ذات الصلة باللغة العربية لذا فمن اجل زيادة استخدام الانترنت من قبل المستخدم العربي المدافع على حقوق الإنسان لابد من تعريب الانترنت والتي تتم من خلال تعريب بعض أنظمة التشغيل وتعريب المحتوى وتعريب بعض الأدوات والبرامج التي تنشر الوعي بثقافة حقوق الإنسان.
مثل برامج البريد الالكتروني وتصفح الانترنت وأدوات النشر والبحث على الانترنت
المعوقات التشريعية والرقابة
قبل التطرق إلى المعوقات التشريعية التي تحول دون نشر ثقافة حقوق الإنسان عن طريق الانترنت لابد من الإشارة إلى معوقات تتعلق بالبنية التحتية إذ أن تكلفة تطوير البنية التحتية لتناسب تلك المفترضة تصل إلى 15 مليار دولار أمريكي وهي تكلفة عالية زد على ذلك الاحتكار الذي تمارسه بعض الحكومات او الشركات للانترنت و رفع الأسعار بشكل كبير جدا مما يجعل الاهتمام بنشر ثقافة حقوق الإنسان يحتل مراتب متأخرة.
وبالرجوع إلى العوامل التشريعية نجد بان العديد من الدول العربية مازالت تتحكم بالمحتوى الذي يمكن نشره من الناحية الأمنية الأمر الذي يؤثر على محتوى الصفحات العربية المعنية بحقوق الإنسان. كما أن تشريعاتها مازالت تضم نصوصا تقمع حرية الرأي و التعبير. وكذلك بالنسبة للدول الغربية التي تقوم بفرض نوع من نظم الرقابة خصوصا فيما يتعلق بالأمور الإرهابية والتحرش الجنسي بالأطفال القاصرين، ويختلف نوع المحتوى الممنوع من معلومات سياسية ودينية واجتماعية وجنسية.
هذا فظلا على المتابعات والمضايقات والمحاكمات التي يتعرض لها المدافعون على حقوق الإنسان المهتمين بنشر حقوق الإنسان عن طريق الانترنت والتي تمس الحق في التعبير وحرية الرأي. و كمثال على ذلك في سوريا تخضع شبكة الانترنت لرقابة مشددة و في 25 يوليو 2007 اصدر وزير الاتصالات السوري مرسوما يفرض على كل أصحاب مواقع الانترنت تسجيل بيانات وتعليقات الكتاب لدى السلطات " الاسم، عنوان البريد الالكتروني ، عنوان المقال أو التعليق" تحت طائلة الحد من نفاذهم إلى الشبكة او قطعه.
وقد نددت مراسلون بلا حدود بالاحتجاز التعسفي الذي تعرض له المدون طارق عمر بياسي على خلفية اتهام السلطات السورية له بنشر تعليق اعتبرته الحكومة انتقاديا على احد المواقع الالكترونية.

المبحث الثالث: الإمكانات المتاحة
إن أهم خصائص الإنترنت وثورة المعلومات قابليتها للتطور بشكل أشبه بالتلقائي، فهي تستفيد من الأجواء والفضاءات الحرة التي تمنحها مما يوفر عدة فرص للتطور والابتكار. ومن خلال الإمكانات المتاحة في هذا المجال :
- سهولة البحث والانتشار :
لقد دخلت البشرية مرحلة جديدة من التطور الفكري والمعرفي أتاح إمكانية الإسراع في العديد من البحوث والأبحاث، ذلك أنه في الوقت الذي كان فيه تحضير الدكتوراه يتطلب على الأقل 10 سنوات بسبب العجز والتأخر في الوصول إلى المعلومات، أتاحت الانترنيت سهولة الوصول إلى المعلومة ونشرها، فمحرك البحث "ياهو" يحتوي على ما يناهز مليار وثيقة بوثيرة وثيقة كل ثانية، ولو أراد الفرد فقط تعدادها لتطلب الأمر خمسين سنة أو أكثر، فالكم موجود وكذلك النوعية والسرعة في تداول المعلومات والمعارف، ولا نستغرب إذا كانت 90% من المعرفة الإنسانية أنتجت خلال الثلاثين سنة الماضية فقط. وهذه الإمكانية ساعدت على نشر الوعي بحقوق الإنسان بطريقة سريعة من خلال الوصول إلى عدة وثائق تهتم بهذا المجال، وأعطي مثال كيف أن الحركة الحقوقية العالمية استطاعت أن تفرض مبدأ عدم الإفلات من العقاب عن طريق المحكمة الجنائية الدولية، وكذا عن طريق العدالة الانتقالية التي أفرزت عدة تجارب دولية ساعدت الانترنيت على نشرها والتعرف على مضامينها.

- المدونات والمواقع :
المدونة تطبيق من تطبيقات الإنترنت يعمل من خلال نظام لإدارة المحتوى، وتستعمل المدونات لنشر العديد من الموضوعات وذلك بحسب اهتمامات المدون، وحسب بعض الإحصائيات لسنة 2007 بلغ عدد المدونات 106 مليون مدونة بمختلف اللغات.
وإذا كانت أغلب المؤسسات الإعلامية الكبيرة تحتكر الخبر والمعلومة فإن المدونات فضاء يمكن عن طريقه حماية حرية الرأي والتعبير من خلال تقديم وجهات النظر المستقلة والأكثر جرأة، وهذه الحماية تسمح لصاحبها بنشر الوعي بحقوق الإنسان بين جميع الفئات وبدون قيود (باستثناء القيود التشريعية)، لأن المدونة تصبح جهة نشر كاملة ويصبح المدون هو المحرر ورئيس التحرير والناشر يمكن عن طريقها تبليغ رسالة معينة إلى جميع المهتمين بحقوق الإنسان على الصعيد العالمي.
- فضاءات التعليم
إن إدماج حقوق الإنسان عن طريق الإنترنيت في المنظومة التعليمية و في كافة مستويات التعليم من الابتدائي إلى الجامعة يمنح قدرة على الانتشار والوصول إلى جماهير واسعة بل ربما تمنحه قوة تأثير تفوق كل وسائل الاتصال المتعارف عليها. فالمعلومات أثبتت أن البحث العلمي لا يتم فقط في المختبرات والمعاهد المتخصصة لكنه يتعداها ليطال أيضا اللغة والشعر والأدب والموسيقى ناهيك عن تكريسه للتنمية والتقدم وقيم حقوق الإنسان. وأصبح لزاما على كل المهتمين بالحقل التعليمي بالانفتاح على التكنولوجيا الحديثة وخلق وحدات تعليمية جديدة تهتم بنشر ثقافة حقوق الإنسان لأن الوسيلة الوحيدة لتربية الشباب على القيم الكونية لحقوق الإنسان كالحق في التعبير وحرية الرأي والحق في الاختلاف ونبذ العنف ... وغيرها من القيم التي أضحت السلاح الوحيد لتحصين الذات والمجتمع في مواجهة الأفكار الظلامية والهدامة والتي بدأ يتم استغلالها لضرب كل الإنجازات التي راكمتها البشرية.
وخلاصة القول، إذا كانت المقولة السائدة من يتوفر على المعلومة يتوفر على السلطة فإن الإنترنيت قلبت هذا التصور بحيث أصبح من ينشر ويعمم المعلومة هو الذي يتوفر على السلطة.
هشام الشرقاوي